هشام جعيط

119

نشأة المدينة العربية الإسلامية " الكوفة "

المأنوسة لأبناء القبائل . لكن هذه القبائل سرعان ما أعادت تشكيل المجالات الجماعية لها ( الجبانات ) ، داخل الخطط الترابية ، كما ابتنت مساجدها الخاصّة حيث كان يلتقي الأشخاص المنتمون إلى العشيرة نفسها . ذلك أن المركز يوحّد ، في حين أن الخطط تحافظ على التنوع العشائري والقبلي للنسيج العربي . ومن الصعب في الحقيقة إحداث معارضة تامة بين المركز الإسلامي والحزام العربي القبلي ، لأن مساجد العشائر تكاثرت « 1 » ، بفضل ما بلغه التدين الفردي من تطور سريع . على أن الفكرة تفرض وجودها في البداية . ذلك أنه لم يكن في الأوّل لهذه الجموع العربية من الإسلام إلا الاسم : فهي لا تشبه في شيء أمة المدينة التي استوعبت الروح والتعاليم الإسلامية . لقد تشكل ضميرها الإسلامي في الحرب وارتبط ارتباطا وثيقا بهويتها العرقية العامة ، كما ارتبط أيضا بمركز القرار في المدينة . فتمخض عن ذلك تأكيد الصلاة كمجموعة من الحركات التوحيدية التي تتجمع بفضلها أمة المقاتلين . وترتب عن ذلك أيضا طابعها كفريضة مطلقة ، لا لسبب ديني وحسب ، بل كفعالية سياسية واجتماعية للإبقاء على لحمة شعب مشتّت في الأصل ، ولا سيما أنه استسلم للدعة نسبيا بعد وقعة القادسية . كان المركز موطنيا بفضل المسجد ، لأن الدين كان معاشا كظاهرة جماعية أكثر منه كجملة من المضمّنات الماورائية ، وكان الحكم يدفع به دفعا لكن الحكم كان سلطة تنظيم لا غير . إن انفصال المركز عن عالم السكن القبلي لا ينبغي فهمه بمعنى الحفاظ على سر من أسرار المعبد ، ذلك أنه لم يكن في خدمة المعبد طبقة من الكهان تسيطر على شعب خانع . بل كلّ ما حصل أن هيىء للمقاتلة مكان للاتصال إما في الصلاة وإما بالتجارة والمكان الذي نظم لهم فيه إطار وجودهم برضاهم . وبما أن المسجد هو ملك للجميع ، فقد كان مركزا أسمى ، ومكانا للالتقاء ، فتحتم أن يبتعد عن المجالات ذات الخصوصية المتمثلة في خطط القبائل . لا شك أن تجاوزات لحرمة المركز قد وقعت . من ذلك إقطاعات منحت للأفراد ، ولم تمنح للقبائل أبدا . ولم يحدث ذلك في البداية قطعا ، كما كان يريد اليعقوبي أن يحملنا على الاعتقاد به « 2 » ، ولم يفعل ذلك عمر يقينا ، لكن لعل بعض ولاته في نهاية خلافته قاموا بذلك بصورة استثنائية . لقد بنيت دور في المساحة المركزية وهو أمر ثابت أو يكاد ، ومما يزيد يقيننا بخصوص بعضها ، أنها وجدت فيما بعد داخل الأسواق . وقد أشير إلى دار الوليد بن عقبة « 3 » ولعلها بنيت خلال ولايته [ 25 - 30 ه / 645 - 650 ] في خلافة عثمان . كما نجد

--> ( 1 ) Grabar , op . cit . , p . 34 . ( 2 ) كتاب البلدان ، ص 318 . لم يكن ذلك يكتسي صبغة عظيمة . ولم تزدد الظاهرة اتساعا إلّا في ولاية زياد : انظر لاحقا . ( 3 ) الطبري ، ج 6 ، ص 19 و 346 . يمكن التساؤل إذا هي لا ترجع إلى عصر زياد .